قلعة سمعانمار سمعان العمودي، حلب English

سمعان والعمود

كل ما على هذا التلّ قائمٌ بسبب قرار واحد، اتُّخذ نحو سنة ٤٢٢، ألّا ينزل.

وُلد سمعان في جبال الأمانوس نحو سنة ٣٩٠ ودخل الحياة الرهبانية صغيراً. ولم ينجح الأمر. ولم تكن المشكلة أنه غير أهل للتقشّف — بل أنه كان بارعاً فيه أكثر ممّا ينبغي. فالجماعات التي آوته لم تستطع العيش مع القسوة التي فرضها على نفسه، فخرج، أو طُلب إليه أن يخرج، أكثر من مرّة.

فصعد. استقرّ على عمود وبقي فوقه، يرفعه على مراحل حتى صار ارتفاعه نحو ثمانية عشر متراً عن الأرض، وعاش هناك نحو السبع والثلاثين سنة الأخيرة من عمره.

٠١ماذا كان يفعل هناك فعلاً

الصورة الشائعة صورةُ رجل يهرب من العالم. والمرويّ يقول ما يقارب العكس. كان يعظ مرّتين في اليوم، كل يوم، لحشودٍ صعدت لتسمعه. وكان الناس يحملون إليه خصوماتهم ليفصل فيها. وأرسل إليه الإمبراطوران ثيودوسيوس ولاون يستشيرانه في أمور الدولة — وهو أمر لافت أن يصحّ في رجل يعيش فوق عمود في جبال شمال غربي حلب.

لقد كان، في الواقع، أيسرَ قدّيسي عصره وصولاً إليه لأنه بالضبط كان بعيد المنال جسداً. لا تستطيع أن تلمسه ولا أن تتبعه إلى بيته. كل ما تستطيعه أن تصعد التلّ وتقف عند القاعدة وتصغي. وهذا الترتيب حوّل تقشّفاً شخصياً إلى مؤسّسة عامّة، ولذلك بُني حوله طريقٌ وقوسٌ ونُزُلٌ ثم أكبر كنيسة في العالم.

٠٢الفكرة التي بدأها

وتبعه آخرون. فصار العموديّون شكلاً معترفاً به من أشكال النسك في سوريا وخارجها قروناً بعده، ومنهم سمعانُ ثانٍ على جبل آخر. وهي من الممارسات الدينية القليلة في العصور القديمة المتأخّرة التي يمكن ردّها إلى شخص واحد وتلٍّ واحد، وهذا هو التلّ.

٠٣الموت، والخصومة على الجسد

مات عام ٤٥٩ وهو في نحو التاسعة والستين. وأرادت أنطاكية والقسطنطينية رفاته، فظفرت بها أنطاكية. وبقي العمود في مكانه، وفي غضون عقدين كان الإمبراطور زينون قد شرع في رفع بناء حوله.

٠٤ما بقي من العمود

القليل، والسبب هو نجاح الموقع نفسه. كان الحجّاج يكسرون منه قطعاً ذخائرَ للتبرّك، قرناً بعد قرن، حتى صار عمودٌ من نحو ثمانية عشر متراً في نحو المترين. أكلت المزارَ محبّتُه. وفي ٢٠١٦ أصاب الجذعَ الباقي ضررٌ جديد في غارة جوية.

ويستحقّ الأمر أن تدخل المثمّن وأنت تعرف هذا. فالبازيليكات الأربع الخَرِبة تتفرّع عن كتلة كلسية متآكلة حملها الناس في جيوبهم. البناء هائل، والشيء الذي بُني من أجله كاد يزول — وهذه، أكثر من أي جدار بعينه، هي حكاية قلعة سمعان.